lundi 30 septembre 2013

أمـــــســــيـــة في رفــــقـــة مؤ يـــد الـــديـــــن الـــــطــــغــــرائي

                               أمسية في رفقة مؤيد الدين الطغرائي

وكعادتي التفتت إلى التاريخ حيث قرّرت قضاء أمسيتي برفقة مؤيد الدين أبي اسماعيل الحسين الأصبهاني المنشإ المعروف بالطغرائي،كان عزيز الفضل،لطيف الطّبع،فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر .له ديوان شعر جيّد،ومن محاسن نظمه قصيدته المعروفةب"لامية العجم"،وكان نظمها سنة505هجرية وصف فيها حاله ممّا لحق به في زمانه،و كيف واجه كلّ تلك المحن والمتاعب والمؤامرات بسبب معارضته للفساد وسوء تدبير أموال الرعيّة أيّام الدولة السلجوقية.وكان الطغرائي ينعث بالأستاذ،وقد اتّهم ظلما وعدوانا بالإلحاد وتمّ قطع رأسه في سوق ببغداد عند المدرسة النظامية،وقيل قتله عبد أسود.

وهذه قصيدته الرائعة والتي اشتهرت بلامية العحم مقابل لامية العرب لطرفة بن العبد والتي تعتبر من المعلّقات في العصر الجاهلي.يقول الطغرائي:

        أصالة الرأي صانتني عن الخطل****وحلـــية الفضل زانــــتني لـــدى العـــــــطل

       مجدي أخيرا ومجدي أولا شـــرع****والشمس عند الضحى كالشمس في الطّفل

        فيم الإقامة بالزوراء لا ســـكني****بـــــها ولا ناقــــــتي فـــــيها ولا جــــــــملي

        ناء عن الأهل صفر الـكفّ منفرد****كالسّيــــــف عـــرّي مـــتناه مـــن الخــــــلل

         فلا صديق إليه مشتكى حزني****ولا أنيـــــس إلــــيه منـــــــــتهى جـــــــذلي

        طال اغترابي حتّى حنّ راحلتي****ورحـــــلها وقــــــرى العـــــسّالة الــــــــذّبل

         وضجّ من لغب نضوي وعجّ لما****يلــــقى ركابي ولــــــجّ الرّكب في عــــــذلي

         أريد بسطة كـــفّ أستعين بها****على قــــضاء حقـــــوق للـــــعلى قــــــبلي

        والدّهر يعكس آمالي ويقنعني****من الغــــــنيمة بعـــــد الكــــــدّ بالقــــــــــفل

       حبّ السّلامة يثني عزم صاحبه****عن المـــــعالي ويغـــــري المـــــرء بالكسل

        فإن جنــــحت إلــيه فاتّخذ نفقا****فــــي الأرض أو سلّـــما في الجــوّ واعـــتزل

       ودع غمار العلى للمقدمين على****ركــــوبها واقـــــتنع مـــــنهنّ بالبـــــــــــلل

      يرضى الذّليل بخفض العيش يخفضه****والـــــعزّ بيـــــــن رسيم الأينـــــق الذّلل

      فادرأ بها في نحـــــور البيد حافلة****مـــعارضات مـــــتاني اللّـــــجم بالـــــجدل

       إنّ العلى حدّثتني وهـي صادقة****فيـــــما تــــحدّث أنّ العــــزّ في النّــــــــقل

       لو أنّ في شرف المأوى بلوغ منى****لم تبـــــرح الشّمس يوما دارة الحــــــمل

       أهبت بالحظّ لو ناديت مسـتمعا****والحـــظّ عــــنّي بالحــــهّال في شـــــــغل

        لعلّه إن بدا فضلي ونقــــصهم****لعيــــنه نــــــــــام عنـــــهـم أو تنـــــبّه لي

        أعلّل النّـــفس بالآمال أرقـــبها****ما أضــــيق العيـــش لولا فسحة الأمـــــل

       لم أرتضي العيش والأيّام مقبلة****فكيف أرضى وقـــــد ولّــــت على عــــجل

       غالى بنفسي عرفاني بقيمتها****فصــــنتها عن رخيص القــــدر مـــــــبتذل

      وعادة النّصل أن يزهو بجــوهره****وليـــــــس يعـــمل إلاّ فــي يـــدي بـــطل

      ما كنت أوثر أن يمــتدّ بي زمني****حتّــــى أرى دولـــــة الأوغاد والسّــــــفل

      تقدّمتني أناس كان شوطـــهم ****وراء خــــطوي إذا أمـــشي على مــــهل

       هذا جــــزاء امرئ أقرانه درجوا ****من قــــبله فـــتمنّى فســـــــحة الأجل

       وإن علاني من دوني فلا عجب****لي أسوة بانحـــــطاط الشّمس عن زحل

        فاصبر لها غير محتال ولا ضجر****في حادث الدّهر ما يغــــــــني عن الحيل

       أعدى عدوّك أدنى من وثقت به****فحاذر النّــــاس واصحـــــبهم على دخل

        وإنّــــما رجل الدّنــــيا وواحدها****من لا يعــــوّل فـــي الدّنـــيا على رجــل

       غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت****مـــسافة الخلف بين القـــول والعمل

       وحسن ظنّـــــك بالأيّام معجزة****فظــــــنّ شرّا وكـــــــن منها على وجل

      وشان صدقك عند النّاس كذبهم****وهــــل يطابـــق معـــــوجّ بمعـــــــتدل؟

       إن كان ينجع شيئ في ثباتهم****على العهــــود فسبق السّيف للعــــــذل

      يا واردا سؤر عيـــــش كلّه كدر****أنفــــقت عمــــرك في أيّامـــــــــك الأوّل

      فيم اعتراضك لجّ البحـــر تركبه****وأنت يكـــفيك منه مـــــصّة الوشـــــــل

     ملك القناعة لا يخشى عليه ولا****تحـــتاج فـــــــــيه إلى الأنصار والخــــول

      ترجو البـــــــقاء بدار لا ثبات لها****فهل ســــمعت بظـــلّ غيــــر منــــــتقل؟

      ويا خبيرا على الأسرار مطّــلعا****أنصــت ففي الصّـــمت منـــجاة من الزّلل

       قد رشّحوك لأمر إن فطنت له****فاربأ بنــــفسك أن ترعـــــى مع الهــــمل

 وقد عمل الطغرائي في حياته وليّا للوزارة بأربيل شمال العراق  وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السّلجوقي بالموصل.وبسبب الانقلابات التي كانت تحدث جرّاء الصراعات من أجل الهيمنة على السلطة،فقد الطغرائي مكانته عند سقوط السلطان مسعود بن محمد ،الأمر  الذي دفعه إلى معارضة الانقلابيين والوقوف في وجههم وهو ما دفعهم إلى اتّهامه بالإلحاد وإعدامه.وقد ترك الطغرائي من الرسائل والأشعار ما لا تستطيع حصره هذه المقالة،إلاّ أنّ لامية العجم تؤكّد بالملموس أنّ الرّجل كان فصيح اللسان،واسع التّجربة،صادق القول،مدافعا عن المظلومين والمهمّشين،مندّدا بالتّسلّط والطغيان والفساد الفاحش،رافضا وضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب

                                                                             محمد الدبلي الفاطمي

                                

samedi 28 septembre 2013

جلـــــــســـــــــا ت مع أبي الـعـلاء المعــــرّ ي في معـــــرّ ة النـــــــعـــمــــا ن

             العلم بعد أبي العلاء مضيّع***والأرض خالية الجوانب بلقع

هو أحمد بن عبد الله القضاعي التنّوخي،كان علاّمة عصره،وله التّصانيف المشهورة والرسائل المأثورة ،وله من النّظم لزوم ما يلزم،وله سقط الزّند وهو متن التنوير وكتاب الأيك والغصون.ولد  بمعرّة النّعمان سنة 363هجرية،لأسرة عريقة لها نصيب غير قليل من العلم والأدب،فنشأ متضلّعا في فنون الأدب.وقد تتلمذ عنه أبو القاسم التّنّوخي والخطيب أبو زكرياء بحيى التبريزي شارح الحماسة وغيرهما،لكنّه أصيب بالعمى بسبب مرضه بالجذري.ومن تصانيفه كتاب اللاّمع العزيزي وهو شرح شعر أبي الطيب المتنبي.وقد قال أبو العلاء مرّة وبمعيته حشد من العلماء: كأنّما نظر  المتنبي إليّ بلحظ الغيب حيث قال:

               أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي****وأسمعت كلماتي من به صمم

كما اختصر أبو العلاء ديوان أبي تمام حبيب بن أوس وشرحه وكذلك ديوان البحتري وتكلّم عن الثلاثة وعن غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عنهم.وقد تولّى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم،والتوجيه للخطإ في بعض الأماكن.ورحل طوال حياته إلى بغداد مرّتين،إذ كان أبوه أديبا وعالما،وجدّه قاضي معرّة النّعمان،كما كانت أمّه تنتمي إلى  أسرة كريمة.وقد تلقّى المعرّي مبادئ العلم عن أبيه وتعلّم تعليمه الأساسي على يديه في مسقط رأسه،ثمّ درس في حلب ،وأخذ على علمائها اللغة والأدب،وزار طرابلس وأنطاكية وتعرّف على مكتبتها الشهيرة،ومرّ تاللاّذقية ونزل بدير الزّور وأخذ الفلسفة والعلوم الدّينية عن رهبانها ولم يدع بيت علم إلاّ وولجه،ولا مجلس أدب إلاّ حضره.وقد شاء القدر أن تموت أمّه بعد مرض عضال،فحزن كثيرا لموتها واعتزل النّاس ،ومال إلى الزّهد وسمّى نفسه برهين المحبسين،وبقي على حاله مدّة ليست بالقصيرة حتّى أصيب بمرض أدّى إلى وفاته نهار يوم  الجمعة 20 ماي 1058م ،ويقال أنّ المعري أوصى بأن يكتب على قبره هذا البيت الشعري:

                         هذا ما جنـــــــاه أبي عليّ****وما جنــــيـــــت علــــى أحــــد

 ويحكى أنّه كان يملي على بضع عشرة محبرة في فنون العلوم.وقد أخذ عنه ناس  وسار إليه الطلبة من الآفاق والعلماء والوزراء وأهل الأقدار.ومكث خمسة وأربعين حولا لا يأكل اللّحم تزهّدا.ونظم أبو العلاء الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ،وعند وفاته قرئ على قبره سبعون مرثية منه قول أبي الفتح البستي:

                       ألعلم بعد أبي العلاء مضـــــــــيّـع****والأرض خالية الجـــوانب بلــقــع

                       أودى وقد ملأ الــــــــــبلاد غرائـبا****تسري كما تسري النّجوم الطّلّـع

                      ما كنت أعلم وهو يوضع في الثرى****أنّ الــثرى فيه الكــــواكب تــودع

                      جــــبل ظننت وقـــــد تزعزع ركنه****إنّ الجــــبــال الرّاسيات تزعــــزع

                      وعجبت أن تسع المـــــــعرّة قبره****ويضيق بطن الأرض عنه الأوسـع

                     لو فاضت المـــــــهجات يوم وفاته****ما استكثرت فيه فكـــــيف الأدمع

                     عين تـــــــــسهّد للعفاف وللتّقى****أبدا وقلـــب للمهيمن يخـــــــــضع

                     شيم تجمّله فــــهنّ لمــــــــجده****تاح،ولكن بالثّــــــناء يرصّــــــــــــع

                    جادت ثراك أبا العــــلاء غـــــمامة****كندى يديك ومــــزنة لا تـــقلــــــــع

                     ما ضيّع الباكي عليك دموعــــــه****إنّ الدّمــــــــــوع على سواك تضيّع

                       قصدتك طلاّب العلـــوم ولا أرى****للــــــعلم بابا بعــــــــد بابك يقــــرع

                       مات النّهى وتعطّــــلت أسبابه****وقضى التّأدّب والمـــــــــكارم أجمع

 ومن أشعاره في رثاء أحد الفقهاء واسمه الحنفي أبو حمزة الأوّاب، قال أبو العلاء رحمة الله عليه في قصيدة له وهي من أروع القصائد التي جادت بها قريحته المتوقّدة:

                     غير مجد في ملّتي واعتــقادي****نـــــوح بـــــــاك ولا ترنّــــــم شادي

                     وشبيه صوت النّعيّ إذا قــــــــيــــــس بصوت البشير في كلّ نـــــــــاد

                     أبكت تلكم الحمامة أم غنّـــــت****علــــى فرع غـــصنـــــها المــــــيّاد

                      صاح هذي قبورنا تــملأ الرّحب****فأيـــن القـــبور من عــــهد عـــــــاد

                      خفّف الوطأ ما أظـــنّ أديم الأ ****رض إلاّ من هــــذه الأجــــــــــــساد

                      وقبيح بنا وإن قدم الـــــــعهــــــــد هـــــوان الآبـــــــاء والأجـــــــــــداد

                       ســـــر إن استطعت رويــدا****لا اختــــيالا عـــلى رفــــاة العـــــــباد

                      ربّ لـــحد قد صار لحدا مرارا****ضاحــــك من تزاحـــم الأضـــــــــــداد

                       ودفيـــن على بقايا دفــين****فــي طــــــويل الأزمـــان والآبــــــــاد

                        تعب كلّها الحياة فـــــما أعـــــــجب إلاّ مـــن راغـــب فــــــــي ازدياد

                       إنّ حزنا في ساعة الموت أضـــــعاف ســـرور في ساعة المــــــيلاد

                       خلق النّاس للبقاء فـظلّت****أمّـــة يـحـــســــــــبونــــهم للنّــــفاد

                     إنّما ينقلون من دار أعمـــــا****ل إلى دار شـــــقـوة أو رشــــــــــــاد

                      ضجعة الموت يستريــــح الــــــجسم فيها والعيش مثل السّـــــــــهاد

                      أبنات الهديل أسعدن أوعـد****ن قلـــــيل العــــــزاء بالإســـــــــــعاد 

                      ثمّ غرّدن في المآثم وانــد****بن بشـــجو مع الغــواني الــــــــــخراد

                       فعزيز عليّ خلط اللـيالي****رمّ أقــــدامكم بـــــرمّ الهـــــــــــوادي

                       واللّبيب اللّبيب من ليس يغـــــترّ بكــــون مصـــــيره للفـــــــــــساد


 والمعروف عن أبي العلاء أنّه كان قبيح الخلقة،قصير القامة،رقيق العاطفة،ذكيا يجيد الحفظ والتّذكّر،كما كان ثاقب العقل ،لاذع الانتقاد ،دقيق الإحساس لكنّه متبرّما بالنّاس والدّنيا،كثير التشاؤم  بسبب رؤيته للدنيا على أنّها مقرّ للهموم والآلام.وقد عني عناية خاصّة بالفلسفة اليونانية والهنود بحيث ظهر كلّ ذلك في أخلاقه وشعره.يقول في إحدى قصائده الرائعة:

             ألا في سبيل المجد ما أنا فاعــــل****عــــــفاف وإقـــدام وحـــزم فنائل

             أعندي وقد مارســـــت كلّ خــفيّة****يصـــــدّق واش أو يخــــيّب سائل

             تعدّ ذنوبي عـــــــند قـــــوم كثيرة****ولا ذنــــب لي إلاّ العلى والفضائل

              كأنّي إذا طلــت الــــــــزّمان وأهله****رجــعت وعندي للأنام طــــــوائل

             وقد سار ذكرب في البلاد فمن لهم****بإخــفاء شــمس ضوؤها متكامل

              يهـــمّ اللّيالي بعض ما أنا مضـــمر****ويـــثقل رضــوى دون ما أنا حامل

              وأتّي وإن كنــــــت الأخـــــير زمانه****لآت بمـــا لم تستطـــــعه الأوائل

              فإن كان في لبس الفتى شرف له****فما السّيف إلاّ غـــمده والحـمائل

             ولو بان عنقي ما تأسّف منــــكبي****ولو مات زنــدي ما بكــــته الأنامل

              أذا وصف الطّائي بالبــــــخل مادر****وعيّــــر قـــسّا بالفــــــهاهة باقـل

               وقال السّهى للشّمس أنت ضئيلة****وقال الدّجى للصّبح لونــــك حائل

              وطاولت الأرض السّــــماء سفاهة****وفاخرت الشّهب الحصى والجنادل

              فيا موت زر  إنّ الحـــــياة ذميــمة****ويا نفس جدي فإنّ دهــــــرك زائـل

  ومن آثاره أيضا "سقط الزّند"جمع فيه قصائده التي قالها قبل الرحلة إلى بغداد،ويحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف بيت.وقد شبّه شعره الأوّل بأوّل نار تخرج من الزّند أي سقط الزّند.أمّا "اللزوميات"فهو ديوان شعر كبير يحتوي نحو أحد عشر ألف بيت،وكلّه في الفلسفة،و"رسالة الغفران"وهي أيضا رسالة كتبها المعرّي إلى علي بن منصور الحلبي جوابا على رسالة بعث بها إليه هذا الأخير.ومن مؤلفاته كذلك "الأيك والغصون"و"عبث الوليد"وهو تعليق على ديوان البحتريو"رسالة الملائكة"وكتاب"الفصول والغايات"وكتاب"معجز أحمد".

أمّا شعره فمنه الرّسمي يمدح فيه الأعيان،وآخر من باب الإخوانيات،وقد جارى فيه أبا تمّام والمتنبّي والبحتري في استنباط المعاني وتقويّة اللّفظ وانسجام الصورةودقّتها،والدّارس لشعر أبي العلاء سيجده أجاد في الرثاء إجادة أدركت الغاية


                                                       محمد الدبلي الفاطمي 
                     

                        


                                              

                     

vendredi 27 septembre 2013

هـــــل أصـــــبح الـــدّ ســــتور المغــــربــــي الجـــديـــــد جســــدا بلا روح؟؟؟

هل أصبح الدستور المغربي جسدا بلا روح؟؟؟

منذ التصويت بنعم على الدستور المغربي الجديد الذي أقدم على تعديله ملك البلاد عقب الخطاب الذي ألقاه بتاريخ 9مارس 2011،وبعد مرور أكثر من ثلاثة على هذا الحدث الكبير في تاريخ بلادنا لم يتغيّر أيّ شيئ.فالقوانين التنظيمية لهذا الدستور مازالت لم تولد بعد،ومؤسسات الدولة مازالت تدار بالدستور القديم الذي أكل الدّهر عليه وشرب،والانتخابات المحلية الجماعية منها والجهوية مابرحت هي الأخرى تترقّب ولادة هذه القوانين التنظيمية التي يظهر أنّها عسيرة الولادة في الوقت الرّاهن.أمّا المواطنون فلا حول ولا قوّة لهم إلاّ التّرقّب في قاعة الانتظار،وكأنّهم يسكنون خارج التاريخ،فلا هم قادرون على إبداء آرائهم،ولا هم مستعدّون لتحمّل تبعات التغيير،وبين المطرقة والسندان يستقيم المعوجّ من الحديد.

وتحت وطأة هذا الواقع المفعم بالعوائق والمتناقضات،تستمرّ المظاهرات والاحتجاجات ويستمرّ معها القمع والتّرهيب والملاحقات والاعتقالات،وكأنّ هذا الوضع المتقهقر الذي تعيشه  الطبقة الكادحة من المواطنين لا يحتاج إلاّ لمعالجة أمنية فقط،بيد أنّ هكذا أوضاع لا تعالج معالجة أمنية بقدرما يتوجّب أن تعالج بكيفية معقلنة تأخذ في الاعتبار الأسباب التي أفرزت هذه الاحتجاجات والإصلاحات الكفيلة بمواكبة متطلّبات المرحلة. أمّا القفز على هذا الواقع المتردّي أمنيا فإنّه سيجلب لنا المصائب والكوارث التي نحن في غنى عنها.قال الشاعر:

             من يزرع الشرّ يحصد في عواقبه****ندامــة،ولحصد الزّرع إبّـــان

ذلك أنّ القمع والقهر والترهيب لا يترتّب عنهم إلاّ التمرّد والعصيان وتوسيع دوائر الاحتجادات والمظاهرات ممّا سيقود البلاد حتما إلى السقوط في انفلاتات أمنية قد تقلب الأوضاع رأسا على عقب وهو ما لا نريده أن يحدث.وفي هذا السيّاق،وبغية تفادي مثل هكذا انزلاقات،يتعيّن على من يمسكون بزمام الأمور أن يبادروا إلى تحيين دستور البلاد الجديد من خلال أجرأته عبر  سنّ قوانين تنظيمية تضع المغرب على سكّة الانتقال الديمقراطي.فمن المستحيل التّمكّن من دمقرطة الحياة العامّة دون وجود آليات قانونية تتّسم بالوضوح والشفافية والانضباط، ومادامت القوانين المنظّمة للدّستور  غير متوفّرة فإنّ إدارة شؤون البلاد والعباد تقاد حتّى الآن بطريقة غير قانونية في ظلّ عمل المؤسسات بمضامين الدستور القديم محلية كانت أو إقليمية أو حهويةأو وطنية حتّى،وفي ظلّ عدم التّمكّن من إجراء الانتخابات الجماعية والجهوية التي تجاوزت سقفها القانوني.

إنّ ما تشهده بلادنا اليوم من غليان اجتماعي، وتراجع خطير للقدرة الشرائية لدى السّواد الأعظم من المواطنين،وصراع سياسوي بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة،كلّ ذلك يؤشّر على أنّ المناخ الساسي في المغرب يتّجه نحو أزمة كتلك التي تتخبّط فيها الشقيقة مصر حين انقسم فيها الشعب إلى فصيلين متصارعين،جرّاء الاستقطاب الذي أثّر بشكل سلبي على توجّهات المواطنين والمواطنات.  لذلك فإنّ الإرادة السياسية هي الوحيدة القادرة على الدّفع بمسلسل الانتقال الديمقراطي إلى الأمام بدل الاستمرار في التّسويف والترقيع والمماطلة.وفي هذا السيّاق ،يتوجّب على الدولة المغربية أن تفي بالتزاماتها وتعهّداتها،وأن تبادر إلى  الأجرأة عبر توفير القوانين التنظيمية لمواد الدستور الجديد للبلاد بغية إرساء القواعد الأساسية لدولة الحقّ والقانون.فال أبو الطّيب المتنبي:

                على قدر أهل العزم تأتي العزائم****وتأتي على قدر الكرام المـكارم

                وتكبر في عين الصغير صــغارها****وتصغر في عين العظيم العظائم

 لقد آن الأوان للبدء في وضع أساسات للتّغيير المطلوب،فالشتاء العربي الذي طالت عواصفه العديد من الأقطار العربية مازال حاضرا،وغضّ الطرف عمّا يجري في بلدنا، من شأنه أن يدفع بالبلاد والعباد إلى ما لا تحمد عقباه،بعد أن أصبح الدستور الجديد لمغرب القرن الواحد والعشرين جسدا بلا روح. وما نراه اليوم من مظاهرات نسائية في شوارع العاصمة جاء ردّا على تصريحات رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الذي اعتبر تشغيل المرأة عملا مضرّا بالبيوت وبالأسر المغربية.وهذا إن دلّ على شيئ فإنّما يدلّ على النّوايا السيئة لهذه الحكومة والتي بدأت تمهّد للإجهاز على مكتسبات الأنثى,علما بأنّ حوالي 40في المائة من النساء العاملات يساهمن في إعالة أسرهنّ.

ما بالحـــــــــــــكومــــــــــة....

ما بالحـــــكومة لا تزال تـــــــرقّــــــع؟***طورا تصـــــــول وتارة تتوجّـــــع

ضلّ القطار بها الطريق فأصـــــبحت***عمـــــياء شاردة تجـــــــيئ وترجع


والشعب يصرخ في الشوارع غاضبا***والأمن يفعل ما يـــــــشاء ويقـــــمع

والرّشـــــــــــوة الزّرقاء أحدث داؤها***ضـــــررا كبــــــيرا فوقــــنا يـــتربّع 

أضحت وباء في النّفوس مسيـطرا***ترك الفساد مــــحرّرا يتــــــسكّــــــع

فاستبدل الحقّ المـــــــبين بباطل***وابتاع منصبه الرّفــــــيـــع الأوكــــــع

وقست قلوب المرتشــين وعربدت***حين اســــــــــتبدّ بها الفساد المفزع

إذ لم يعـــــــد وقف التدهور ممكنا***ويد الخراب إلى التّــــــــــمرّد تدفـــع

ساءت معيشة شعبنا وتضعضعت***وحكومة المــــــــــصباح لا تتـــــطلّع

فمتى ســـترحل عن إدارة شأننا؟***ومتى القرار المســـــــــتبدّ سيرفع؟

لا خـــــــــير في حزب يبدّل نهجه***بعد انتـــــــــخابه والـــمراوغ يخـــدع

فلم الوعود مع الهبـــــــاء تناثرت؟***وهل الهـــــروب إلى الأمام سينفع؟


محمد الدبلي الفاطمي

mercredi 25 septembre 2013

إســـــــــــــــــــرائــــــــــــــــــــــيل والشــــــــر ق الأ وســــط الجــــــــــد يــــــد

                   الشرق الأوسط بعيون إسرائيلية

لم يكن صعبا على الإسرائليين استغلال انتفاضة الشعوب العربية لفائدتهم ،بعد أن كانوا مدركين بأنّ ضعف هذه الشعوب المقهورة،والمتخلّفة لا يؤهّلها لخوض مثل هكذا تجارب في ظلّ غيّاب النخبة التي ستتسلّم مقاليد السلطة آونة سقوط الأنظمة الفاسدة.وعلى هذا الصّعيد عمل الإسرائليون وزعماء الأنظمة الفاسدة،منذ زمن بعيد،على إغلاق صنابير المعرفة والعلم  بغية إغراق مجتمعاتنا في مستنقعات الأمّية والجهل حتّى لا تتاح لهم فرص تمكّنهم من خلع عباءة الاستبداد.وهذه الممارسات ذات الطبيعة الاحتلالية ظلّت ترافقنا منذ ما سمي بالاستقلال إلى يومنا هذا.القمع ،والتّجويع ،والإرهاب ،والاعتقالات     بالجملة ،والتّجسّس ،والإهانة،وكلّ أنواع الذلّ والقهر والاستغلال والاستعباد.

 لمّا تجاوز القهر حدوده،انتفض المواطنون مطالبين بالتغيير،وبالإصلاحات الديمقراطية،معتقدين بأنّ هذه الانتفاضات ستقودهم إلى شاطئ الخلا ص من هؤلاء الحكّام الفاسدين،لكنّهم لم يفكّروا أبدا في ما يمكن أن تفعله إسرائيل من أجل شرقها الأوسط الجديد ،سيّما وأنّ الأمريكيين يرون منطقة الشرق الأوسط بعيون إسرائيلية.لكنّ الإسرائيليين كانوا يتحرّكون في الخفاء ،من خلال عملياتهم الاستخباراتية،حتّى تمكّنوا من تعميق الخلافات بين الثائرين ،وجرّهم إلى الاقتتال فيما بينهم قصد استنزاف بعضهم بعضا.والملاحظ سيرى أنّ الدولة العبرية وكأنّها غير معنية بما يحدث في وطننا العربي،لكنّ العكس هو الصحيح،فإسرائيل تتحرّك في الخفاء مستفيدة من أصدقائها الأمريكيين الذين وفّروا لها كلّ أسباب الدّعم والتّغطية،الأمر سهّل لبني إسرائيل أن تجعل من ربيع الشعوب العربية ربيعا لها ولشرق أوسطها الجديد.وما نراه يتشكّل اليوم في منطقة الأوسط  يزكّي بقوّة هذا الطّرح،فمصر احتلّها العسكر لتأمين حدود إسرائيل،وسوريا غارقة في القتل والدماء والتّخريب،والانتفاضات الشعبية التي أطلقنا عليها ثورات الربيع العربي بدأت تتّجه نحو  الطريق المسدود،والإسرائيليون يراقبون كلّ شيئ ،عن كثب،وهم يضعون الخطط  ويعدّون العدّة للهيمنة على مقدّرات المنطقة بعد أن أصبحت لهم جيوش في أوطاننا من أهلنا ينادون بالتّطبيع والتّسامح ومنح إسرائيل ما تشاء من أعراضنا وقيّمنا وأخلاقنا والانفتاح عليها والانبطاح أمام أوامرها حتّى ولو كانت على حساب حقوقنا المشروعة. وأكيد أنّ إسرائيل نجحت بالفعل في اختراق الأنظمة العربية من الألف إلى الياء بعد أن تمكّنت من استمالةالنّخب الحاكمة إليها وإغراء الطّامعين منهم،ممّا سهّل عليها الشروع في وضع الأرضية لإقامة هذا المشروع الكبير والذي سيمنح إسرائيل القدرة على إملاء ذاتها في المنطقة باعتبارها القوّة الضّاربة الوحيدة إقليميا ،والدولة الوحيدة التي تملك أسباب العلم والمعرفة بينما معظم جيرانها من الدول العربية،إن لم نقل جلّها،مازالت أسيرة التّخلّف والجهل والإضطهاد.قال أبو الطيب المتنبّي:

            يرى الجبناء أنّ العجز عـــــقل****وتلك خديعة الطّبع اللّـــــــئيم

            وكلّ شجاعة في المرء تغني****ولا مثل الشجاعة في الحكيم 

            وكم من عائب قولا صـــحيحا****وآفته من الفــهم السّقــــــيم

 لقد تنفّست الدولة العبرية الصعداء حينما بدأت ترى أعداءها العرب يتقاتلون فبما بينهم،بدل التوجّه صوبها باعتبارها الدولة الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط،والدولة المحتلّة للشعب الفلسطيني،بالرّغم من كلّ القرارات الدّولية المندّدة بهذا الاحتلال البغيظ.ولا شكّ في أنّ ما يفعل بالشعبين المصري والسوري  حاليا سيبيح لإسرائيل أن تفعل ما تشاء مستقبلا بشعوب المنطقة.وهذا أمر خطير للغاية.فإذا كان حكّام هذه الشعوب قد أباحوا لأنفسهم قتل كلّ هذه الأعداد من مواطنيهم،ما الذي يتوقّعونه من إسرائيل؟

 والملاحظ اليوم سيدرك أنّ الإسرائيليين لم يعد يهدّدهم أيّ خطر على مستوى الجوار،أضف إلى ذلك أنّهم ،في ظلّ هذا الوضع الجديد، كثّفوا من مصادرة المزيد من الأراضي،وضاعفوا من بناء المزيد المستوطنات،بعد أن ضمنوا عدم السّماح للفلسطينيين اللاّجئين بحقّ عودتهم إلى  بيوتهم وأرضهم المغتصبة،وبعد أن تلقّوا ضمانات من الولابات المتحدة الأمريكية مفادها أنّ جميع الفلسطينيين اللاّجئين سيتمّ توطينهم في الدّوّل المستضيفة لهم.وعليه ستصبح إسرئيل، في المستقبل المنظور، القوّة الضاربة الوحيدة في المنطقة،الشيئ الذي سيحعلها  سيّدة الشرق الأوسط الجديد بلا منازع.

 لقد استطاعت الدولة العبرية أن تقطف ثمار الربيع العربي من خلال توظيف عملائها المستعربين الذين أصبحوا يتواجدون في جميع الأقطار العربية والإسلامية،والذين يطالبون بالتّطبيع مع إسرائيل والإنفتاح علبها حتّى  ولو بقيت محتلّة، ومغتصبة،وإرهابية. وهؤلاء هم الذين يطلقون على أنفسهم "الحداثيون التقدّميون العلمانيون"وهم ليسوا في شيئ ممّا يظنّون،إلاّ أنهم  أبرموا الصفقة وباعوا أبناء جلدتهم بأبخس الأثمان.


                                        

                                             محمد الدبلي الفاطمي 


samedi 21 septembre 2013

الــقــــــــــرا ة أ مّ الـــحضا را ت وصا نـعــة الإنــسا ن والــــــتّــــقــــدّ م والا نـتـــصا را ت

                         القراءة أمّ الحضارات وصانعة الإنسان والتّقدم والإنتصارات

نادرون هم من يقرؤون.لم يعد الكتاب صديقا ولا أنيسا ولا رفيقا جتّى،والأمر لا يتعلّق بالتلاميذ والطلبة فحسب،بل إنّ المدرّسين أنفسهم،لم يعودوا يقرؤون،أو أنّ القراءة عندهم لم تعد تحظى بالأهمّية التي تستحقّها.فأغلب هؤلاء أصبحوا يكتفون بما تعلّموه في الجامعات،أو بما يفيدهم في تهييء دروسهم وإنجازها.لقد أصبحت الكتب المقرّرة والموازية،عند شريحة عريضة من المدرّسين ،معلّمين وأساتذة،هي المرجع ،وليست دعامات للدّرس والتّعلّم.أمّا الموظّفون في مختلف القطاعات،وعلى مستوى كلّ التّخصّصات،فقد اكتفوا،في معظمهم،بحياة العمل،ولم تعد القراءة تعني لهم شيئا،إلاّ ما يكون من قبيل الإكراه الوظيفي،أو ما تفرضه الحاجة.وهذا الواقع يسري على الطّبيب،كما يسري على المحامي وعلى المهندس وهلمّجرّا. الحميع اكتفوا بالتّحصيل الوظيفي،ولم يعد تحيين المعرفة يدخل ضمن اهتماماتهم،أو انشغالاتهم.

 إنّ مجتمع الاستهلاك قد أكل جميع هؤلاء، بعد أن ذوّبهم في موجة الهواتف المحمولة والحواسيب أو الشاشات الثلاثية الأبعاد،والسّيارات الرباعية الدّفع،وغيرها ممّا أمسى من أولويات الحياة اليومية لهذه الشرائح،ممّن هم نخب المجتمع،وأطره.أكيد أنّه من حقّ الجميع أن يعيشوا بالطريقة التي يريدونها،فلا أحد له الحقّ في أن يتدخّل في حياة الآخر،وكما ورد فب الأثر أنّ الله يحبّ أن تظهر نعمه على عباده.

لكن،حين نكون في مجتمع مازال غارقا في مستنقعات الأمّية والجهل والشعودة،ويكون التعليم فيه،كما هو حال وضعنا في المغرب،في وضع كارثي،لا يوفّر الحدّ الأدنى من المعرفة،أو ينطلق من معرفة عرجاء لا تتيح فرص الشغل والعمل للأطر والكفاءات بسبب طغيان الزّبونية والمحسوبية والرشوة،ويكون فيه الإنسان عبر سلوكه اليومي،غير مؤهّل للحوار والتّسامح،بعد أن انهارت بداخله كلّ القيم المثلى بما فيها روح المواطنة،والمسؤولية في العمل ،وفي تدبير شؤون المواطنين،وصرف المال العام. حين نكون غير مؤهلين تربويا لممارسة هذا النّوع من الحياة،ومن الرّفاه الذي ليس قيمة مضافة في مجتمع مازالت تعوزه الكثير من الأولويات.فكيف لنا أن نواكب التطوّر المتسارع في مستهلّ القرن الواحد والعشرين ونحن نسافر في المأساة جرّاء ضعفنا المكشوف في جلّ ميادين المعرفة والعلم؟لماذا طلّقنا القراءة طلاقا بائنا بينونة كبرى وديننا يحثّنا ويشجعنا،بل أمرنا ويأمرنا ربّنا بالقراءة قدر المستطاع لأنها الوسيلة الوحيدة القادرة على توجيهنا الوجهة الصحيحة؟ما الذي دفع بشعوبنا إلى الانخراط ،كبارا وصغارا،رجالا ونساء في القيل والقال والنّميمة وأكل لحوم بعضنا البعض،عوض الانشغال بالقراءة والتّحصيل؟

 لم تكن القراءة ،في تاريخ المعرفة الإنسانية،وفي المجتمعات التي خرجت من ظلمات الجهل والتّخلّف إلى أنوار المعرفة والحضارة والتّمدّن،من الأمور الثانوية أو الزّائدة،بل كانت ضمن شروط انتقال هذه المجتمعات وتطوّرها،وتربية الإنسان على قيم الحرّية والمساواة والمسؤولية،وعلى روح المواطنة التي لم تكن تعني سوى أن يكون الفرد مسؤولا أمام ضميره ،وأمام الآخرين،ومساهما في نهوض مجتمعه،لا أن يكون حجر عثرة،أو عائقا في وجه التّغيير إلى الأفضل.وأكيد أنّ القراءة والبحث،فرديا وجماعيا،أو ضمن مؤسسات المعرفة المختلفة،هما اللذان ساهما في نشر هذا الوعي،وفي إذكاء روح المسؤولية،وفي إعادة تكوين الإنسان وتربيته وتأهيله.فما تعرفه الجامعات العالمية الكبرى من إقبال على المعرفة وعلى التّعلّم والتّكوين المستمرّ،وتبادل المعارف والخبرات هو أحد مظاهر هذا الوعي في مجتمع المعرفة والعلم.وهكذا نشأ اقتصاد المعرفة الذي يعتبر اليوم أهمّ ما تقوم عليه صناعات عدد من دول العالم،والتي أصبحت تفوق،بل وتضاهي ما تقوم عليه اقتصادات الصناعات الثقيلة،بما فيها صناعة الأسلحة.قال الإمام الشافعي في شأن اكتساب العلم والمعرفة:

                           ألعلم بحيي قلوب الميّــــــــتين كما****تحيا البلاد إذا ما مسّها المــطر

                           والعلم يجلو  العمى عن عين صاحبه****كما يجلّي سواد الظلمة القمر  

إنّ ما ترك الفراعنة من آثار لم تكن مجرّد بنايات للسّكن،أو إقامات شخصية تعكس ترجمة الرّفاه لديهم،بل الأهرامات هي صورة للفكر العلمي المتقدّم الذي كانت تقوم عليه ثقافة ذلك المجتمع الفرعوني،والأهمية التي أولاها ملوك المصريين القدامى للعلم والمعرفة.وما يصلنا اليوم من كتابات الآشوريين والسوماريين والبابليين ،وما أولته الحضارات الأسيوية القديمة من  أهمية للقراءة ،وتشييد المكتبات،والاهتمام بتأليف الكتب وترجمتها في مختلف حقول العلم والمعرفة،بما فيها الشعر والأدب والنّحت والرّسم أو الحفر على الجدران،وما عرفته الحضارة العربية ،خلال حكم  الأمويين وبني العبّاس،بشكل خاص،كلّها تفيد بمدى أهمّية المعرفة والفكر والفنّ،وأهمّية القراءة في المجتمع.فما حدث من تطوّر في هذه المجتمعات،وازدهار العلوم فيها،من فلك وفيزياء وطبّ ورياضيات وفلاحة،والانفتاح على تجارب الحضارات المجاورة،أو البعيدة،عن طريق الترجمة،ونقل المعارف،لم يأت نتيجة الرّفاه الذي يخفي المعرقة أو يحجبها.فالرّفاه في هذه المجتمعات هو نتيجة لهذا الازدهار المعرفي الكبير.وفي سياق هذا الانتقال الذي حدث بوتيرة متسارعة في تلك المجتمعات بعث مناخ البحث العلمي والفكري اللّذان كانت  للدّولة اليد الطّولى  في إحيائهما.وقد لعب بعض الحكّام ،ممّن استهوتهم القراءة،بشكل خاص،دورا كبيرا في نشر العلم والمعرفة،من خلال إقامة مكتبات حفظت ذخائر علمية أضاءت جزءا غامضا من التاريخ العلمي للبشرية جمعاء.قال الشاعر:

               كفى بالعلم في الظلمات نورا****يبيّن في الـــــــــحياة لنا الأمـورا

               فكم وجد الــــــذّليل به اعتزازا****وكم لبس الحــــــــزين به سرورا

               تزيد به العقول هــــدى ورشدا****تزيد وتستعلي النّفوس به شعورا

                إذا ما عـــــــقّ موطنهم أناس****ولم يبــــــنوا به للعــــــــــلم دورا

                فإنّ ثيابهم أكــــفـان موتـــــى****وليــــس بيــوتهـــم إلاّ قـــــــبورا

                وحقّ لمثلهم في العيش ضنك****وأن يدعـــوا بدنيـــاهم ثــبــــــورا

                 أرى لبّ العلــــى أدبا وعلـــما****بغيــرهما العلى أمست قشـــورا

 إنّ المعرفة في مجموع الوطن العربي ليست سوى معرفة سطحية،تقوم على التّقليد والإجترار،وعلى استعمال جهود الآخرين وابتكاراتهم،لا على ما تبدعه العقول العربية التي ابتلعها التّحجّر والجمود.ذلك أنّ الفكر العربي ،من المحيط إلى الخليج،تنازل عن العقل والخيال،كتنازله عن الخلق والإبداع،وركن إلى الخمول والفساد بعد أن عجز عن تحيين معرفته التي تقادمت بفعل التكرار والتّقليد،أو بفعل الجهل الذي لم يعد جهل القراءة والكتابةبقدر ما أصبح تخلّفا في الوعي والفهم لأوضاعنا فضلا عن عدم قدرتنا على قياس المسافة التي تفصلنا عن الآخر الذي يمثّل القارئ العالم المبتكر،والذي وصل إلى الرّفاه عن طريق سبر أغوار المعرفة والعلم،وليس عن طريق التقليد والتّبعيّة.قال الشاعر:

                 ليس من مات فاستراح بميّت****إنّما المــــيّت ميّـــــــــــت الأحياء 

 إنّ أمّتنا تملك من الكتب والمخطوطات الحاملة للعلم والمعرفةعددا لا يستهان به إلاّ أنّ هذه الكنوز  ما زالت حبيسة المتاحف أو المكتبات المهجورة أو مدفونة في الأقبية نظرا لعدم توفّر الرّغبة في القراءة.وضعف القراءة هذا ،أو انعدامها عندنا،أعتبره تعبيرا صارخا عن ضعف وعينا بالانتقالات التي تحدث في العلوم والمعارف المختلفة،وفي المفاهيم والقيم،الأمر الذي حتّم علينا التّبعيّة باستمرار.ألم نعلم بأنّ الإنسان خرج من السّحر والأسطورة  بالفكر الفلسفي قلقا ومتوتّرا بسبب مواجهته لوجوده،ومساءلته بغي معرفة هذا الإنسان لنسفه؟ألم يقل سقراط بأنّه قرأ على مدخل معبد دلفي عبارة "أعرف نفسك بنفسك"؟.

 إذا كان العبريّون يعطون مسألة النشر والترجمة أهمّية قصوى،ويدعمون البحث العلمي بميزانيات مالية ضخمة،فلأنّهم أدركوا أنّ أهمّية المعرفة ،وأهمّّية العلم، هما اللّذان كانا وراء النّهضة الأوربية،ووصول الحضارة الإنسانية إلى ما وصلت إليه من تطوّر علمي وتقني.فلماذا أوصلنا أنفسنا وشعوبنا إلى الطّريق المسدود علما أنّ الشّعب المثقّف العالم العارف هو الذي يحكم ويراقب ويساهم في الحياة العامّة،ولا يقبل بالنظم الاستفرادية والاستبدادية.فالشعب هو الذي له صوت يحترم وليس شعبا يقوده الجهل والفقر والظلام،أو يحكمه الماضي ويوجّهه المتديّنون المتزمّتون.
 القراءة إذن تربية وسلوك،وحاجة يومية مثل الماء والهواء،بدونها نعيش مقيّدين كعبيد أفلاطون قال أحد الشعراء الأجلاّء:

            ألعلم في الصدر مثل الشمس في الفلك****والعقل للمرء مثل التّاج للـملك

             فاشدد يــــديك بحــــــبل العلم معتصما****فالعلم للمرء مثل الماء للسّمك

  إذا أردت الحصول على ميراث أبيك فتعلّم علم أبيك،لأنّ مال أبيك يمكن إنفاقه في يوم واحد.


  
                                                                               محمد الدبلي الفاطمي                 ، 

jeudi 19 septembre 2013

إذا غامـــرت في شــــرف مــــروم ***فــــلا تــقـــنـــع بــــما دون الـــــنــــــجوم

                                                    يرى الجبناء أنّ العجز عقل


 بينما كنت أتجوّل في حدائق الأشعار والآداب العربية،إذا بي صادفت في طريقي أبا الطيب المتنبّي فوقفت أتأمّل نظمه بعين المعدلة البعيدة عن التّطاول والهوى،ونور المعرفة التي ما ضلّ صاحبها وما غوى،وقد ألفيته مبدعا في شعره،متعصّبا لعروبته،متشائما في نظرته،مفتخرا بنفسه.وأفضل أشعاره ما ورد في باب الحكمة،وله فيها الباع الطويل،يقول:

                    إذا غامرت في شـــــرف مـروم****فلا تقنع بما دون النـــــجوم

                    فطعم الموت في أمـر حقــــــير****كطعم الموت في أمر عظيم

                   ستبكي شجوها فرسي ومهري****صفائح دمــعها ماء الجسوم

                    قــــرين النّار ثــمّ نشــــــأن فيها****كما نشأ العذارى في النّعيم

                    وفارقن الصّــــــــياقل مخلصات****وأيــــديها كثـيرات الكلـــــوم

                    يرى الجبــــناء أنّ العـــــجز عقل****وتلك خديـــعة الطّبــع اللّئيم

                    وكلّ شجاعة في المـــرء تغني****ولا مثل الشجاعة في الحكيم

                     وكــــــم من عائب قولا صحيحا****وآفته من الفــــــــهم السّقيم

                     ولكـــــن تأخــــذ الآذان مــــنه****على قــدر القرائـــح والعلـــوم

 وقد وقف الحسّاد في طريقه حين رأوه تقرّب من سيف الدّولة وأصبح مكرّما لديه.ذلك أنّه وقع بينه وبين ابن خالويه النّحوي كلام في أحد المجالس،فوثب ابن خالويه على المتنبّي،وضربه في وجهه بمفتاح كان معه فشجّه،فخرج أبو الطّيب ودمه يسيل على ثيابه.وبسبب ما حدث غضب المتنبّي وهاجر إلى مصرسنة 346هجرية.ومن خلال مدحه لكافور الإخشيدي،قرّبه هذا الأخير إليه بعد أن وعده بولاية طمعا في إبقائه بجانبه.ولمّا أدرك أبو الطيب نوايا كافور الإخشيدي ومكره،غضب وهجاه بقصيدته الشهيرة والتي مطلعها:

                     عيد بأيّة حال عدت ياعيـــــــد****بما مضى أم لأمــــر فيك تجديد

                     أمّا الأحبّـــة فالبـــيداء دونهم****ليـــت دونك بيــــدا دونــــهم بيد

                    نامت نواطر مصر عن ثعالــبها****وقد بشـــــمنا وما تفنى العناقيد

وكانت هذه القصيدة قد نظمها في العراق ببغداد ،وفي هجوه لكافور الإخشيدي يقول:

                   لا تشتري العبد إلاّ والعصا معه****إنّ العـــبيد لأنـــجاس مـــــناكيد

وفي بغداد التقى المتنبّي بطائفة من العلماء كابن جنّي والرّبعي والبصري فشرح لهم ديوانه،ثمّ غادر بغداد قاصدا الوزير ابن العميدفي أرجان ركن الدولة البويهيّ،ولقي عنده حظوة كبيرة.ولمّا كان عائدا إلى بغداد توقّف قليلا في واسط فاعترض سبيله ابن أبي جهل الأسدي الملقّب بالمجنون،وكان المتنبّي قد هجا أخته،فقتل المتنبّي وبمعيّته ابنه وغلامه مفلح بالقرب من النعمانيّة بتاريخ 8شعبان 354هجرية الموافق 966ميلادية.ويشاع أنّ أبا الطيب كان متكبّرا شجاعا طموحا،مندفع العاطفةشغوفا بالمجد والطّموح إلى السيّادة والإنفراد.يقول عن نفسه:
               سيعلم الجمع ممّن ضمّ مجلسنا****أنّي خيـــر من تســـعى به قـدم

               أنام ملء جفوني عن شـــواردها****ويسهر الخلق جـــرّاها ويختــصم

               أنا الذي نظر الأعـــمى إلى أدبي****وأسمعت كلـــماتي من به صمم

                وجاهل زاده في جهــله ضحكي****حتّى أتتــــه يــد فرّاســـة وفـــم

                ألليل والخيل والبيداء تعرفـــــني****والرّمح والسّيف والقرطاس والقلم

ما أظنّ أنّ أبا الطّيب كان متكبّرا أو أنانيا كما يحلو للبعض أن يدّعي ذلك،فالمتنبّي عاش في بيئة مضطربة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا جرّاء تفكّك الأمراطورية العربية الإسلامية المتمثّلة في الخلافة العبّاسية آنذاك وسقوط هيبة الخليفة العبّاسي وعجزه عن التّحكّم في الفتن الملتهبة.وهذه الأوضاع المتدهورة  حرمت أبا الطيب نعمة الاستقرار ممّا أثّّر على حياته وجعلها عرضة للانتقادات اللاّذعة في الغالب من الأحيان.والمتأمّل لقصيدته التالية سيدرك أنّ صاحبنا أبا الطيب عاش سعيدا في حياته سعادة الحكماء .يقول:

                لا خــــيل عنــــــدك تهديها ولا مال****فاليسعد النّطق إن لم تسعد الحال

                واجز الأميـــــر الذي نعـــماه فاجئة****بغير قول ونعمى النّاس أقــــــــوال

                 فربّما جزت الإحـــــسان مولـــــيه****خريــــدة من عذارى الحيّ  مكسال

                 وإن تكن محكمات الشّكل تمنعني****ظـــهور جري فلي فيـــــهنّ تصهال

                  وما شكرت لأنّ المال فرّحـــــني****سيّــــان عــــندي إكــثار وإقــــــلال

                   لكن رأيت قبــــيحا أن يجــــاد لنا****وأنّــــنا بقـــضاء الحـــــقّ بخّــــــــال

                  فكنت منبـــت روض الحزن باكره****غيـــث بغير سباخ الأرض هـــــــطّال

                  لا يدرك المجد إلاّ سيّــد فــــطن****لما يشــــــقّ على السّــــادات فعّال

                  لا وارث جهلت يمناه ما وهــــبت****ولا كسوب بغير السّــــــــــيف سأّال

                 قال الزّمان له قولا فأفـــــــهمه****أنّ الزّمان على الإمـــــــــساك عـذّال

                 تدري القناة إذا اهتــــزّت براحته****أنّ الشّقـــــــــــيّ بها خـــيل وأبـطال

                كفــــاتك ودخول  الكاف منقصة****كالشّمس قلت وما للشّمس أمــــثال

                ألــــــقائد الأسد غذّتــــها براثنه****بمـــــثلها من عداه وهي أشــــــــبال

               ألقاتل السّيف في جسم القتيل به****وللسّــــيوف كما للنّـــــــــاس آجال

              تغير عـــنه على الغارات هيــبته****وما له بأقاصــــــي البــــرّ أهــــــــمال

              له من الوحش ما اختارت أسنّته****عيـــــر وهـــــيق وخنــــساء وذيّـــــال

             تمسي الضيوف مشهّاة بعـقوته****كأنّ أوقاتـــــها في الطّــــــــــيب آصال

             لو اشـــتهت لحـم قاريها لبادرها****خراذل منه في الشّـــــيزى وأوصــــــال

            لا يعرف الــرّزء في مال ولا ولـــد****إلاّ إذا احـــتفز الضّـــــــيفان تـــــــــرحال

     يروي صدى الأرض من فضلات ما شربوا****محض اللّقاح وصافي اللّون سلسال

         تقري صوارمه السّاعات عبــط دم****كأنّما الـــــسّاع نـــــــزّال وقـــــــــــفّال

        تجري النّفوس حوالــــــيه مخلّطة****منــــــها عـــــداة وأغــــنام وآبــــــــــال

        لا يحــــرم البــعد أهل البعد نائلــه****وغيـــــــر عاجــــزة عــــنه الأطـــــيفال

        أمضى الفريقين في أقرانه ظــبة****والبــــيض هادية والسّـــمر ضـــــــــلاّل

       يريك مخبـــره أضـــعاف منـــظره****بيـــــــن الرّجال وفـــــيها الــــــماء والآل

       وقد يلقّــــــــبه المجنون حاسده****إذا اختـــــلطن وبعـــــض العقل عــــقّال

       يرمي بها الجـــــيش لابدّ له ولها****من شـــقّه ولـــو انّ الجــــيش أجـــــبال

      إذا العدى نشبت فــــيهم مخالبه****لم يجـــــــتمع لهــــم حلـــم وريبـــــــال

      يروعــهم مـــنه دهر صرفه أبــدا****مجــــاهر وصـــروف الدّهــــر تغــــــــتال

      أناله الشّـــرف الأعلـــى تقدّمــه****فـــما الذي بتـــوقّي ما أتــــى نالــــــوا؟

      إذا الـــملوك تحلّــــت كان حليته****مـــهنّد وأصـــمّ الكعـــــب عسّــــــــــال

       أبو شجاع أبو الشّجعان قاطــبة****هـــــول نمــــته من الهيـــــــــجاء أهوال

       تملّك الحـــمد حتّى ما لمفتخر****في الـــحــــمد حــاء ولا مــــــــيم ولا دال

       عليه منه سرابيل مضاعــــفة****وقــــد كـــــفاه من الماذيّ ســــــــــربال

       وكيف أستر ما أوليت من حسن****وقـــد غــــمرت نــوالا  أيّـــــــها  النّــــال

        لطّفت رأيك في برّي وتكرمتي****إنّ الــــكريم على العلـــــياء يحـــــــــتال

        حتّى غــــدوت وللأخبار تجوال****وللـــــكواكب فــــي كــــفّـــيك آمــــــال

         وقد أطــال ثنائي طول لابسه****إنّ الـــثّــناء على التّــــنبال تنــــــــــــبال

         كأتّ نفسك لا ترضاك صاحبها****إلاّ وأنـــت على المــــــفضال مفـــــضال

         ولا تعدّك صـــوّانا لــمهــجتها****إلاّ وأنــت لــها فـــي الـــرّوع بـــــــــــذّال

         لولا المشقّة ساد النّاس كلّهم****الجــــود يفـــقر والإقـــــــدام قـــــــتّال

         وإنّـــما يبــــلغ الإنسان طاقته****ما كـــلّ ماشية بالــــرجل شـــــــملال

          إنّا لفــي زمن ترك القــبيح به****من أكــثر النّــاس إحـــسان وإجـــــمال

          ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته****ما قاته وفـــــــــضول العيش أشغال




                                                                             محمد الدبلي الفاطمي

         

               

                   

mardi 17 septembre 2013

واشــــــد د يـــديـــك بحـــبل الله معـــــتصما*****فإ نّـــــه الركــــن إن خانـــــتـــك أركا ن

                                                     أتطلب الرّبح في ما فيه خسران؟


من أفضل الأعمال وأجلّها في التّقرّب إلى الله سبحانه وتعالى الإحسان إلى النّاس قولا وعملا،ذلك أن الله جلّت قدرته أوصى الأنسان بأن يحسن لأخيه الإنسان وأن يقف بجانبه في السّرّاء والضّرّاء،وأن يتراحم النّاس فيما بينهم  لأنّ  في ذلك خيرا للجميع.لقد ألّف ربّنا بين قلوبنا  فأصبحنا بنعمه إخوانا وكنّا على شفى حفرة من النّار فأنقذنا منها مبيّنا لنا فضل الإحسان على حياة النّاس وآثاره  الحميدة في نشر الا ستقرار والسّلام في جميع بقاع المعمور.ويسعدني أن  أقدّم لأحبّتي هذه القصيدة الحكمية التي أعتبرها كنزا يتوجّب الأخذ بنصيب منه.وفيها يقول الفقيه العلاّمة أبو الفتح البستي:

             زيّـــادة المـــرء في دنـــياه نقصــــــان****وربحه غير محض الخير خسران 

             وكـــلّ وجــــــــدان حــــــظّ لا تـبات له****فإنّ معــناه في التحـــــــقيق فقدان

             يا عامرا لخـــراب الدّّهـــــــر مجتــــهدا****بالله هل لخــــــراب العمر عمران

             ويا حريصا على الأمـــوال تجمـــــــعها****أنسيت أنّ سرور المـــــال أحزان

             دع الفــــؤاد عن الدّنـــيا وزخـــــــرفها****فصفوها كدر والوصل هــــــجران

            وارع سمـــــــعك أمثـــالا أفـــــــصّلها****كـــــما يفـــــــــــصّل ياقوت ومرجان

            أحسن إلى النّاس تستعبد قلوبـــــهم****فطــــالما استعبد الإنــــــــسان إحسان

             ياخادم الجسم كم تسعى لخدمــــته****أتطلـــــب الرّبح فيما فيه خـــــــــسران؟

            أقبل على النّفس واستكمل فضائلها****فأنت بالنّفـــس لا بالجســم إنســــــــان

           وكن على الدّهر معـــــــوانا لذي أمل****يرجـــو نداك فإنّ الـــــحرّ معـــــــوان

           واشدد يديك بحـــبل الله معــــــتصما****فإنّـــــه الرّكـــن إن خانــــتك أركـــــان

           من يتّق الله يحــــمد في عواقـــــبه****ويكـــــــــفى شرّ من عزّوا ومن هانـــوا

           من استعان بغـــــير الله في طلـــب****فإنّ ناصــــره عـــــــجــــز وخـــــــــذلان

           من كان للخــــير منّـــــاعا فليس له****على الحـــــقيقة إخــــــوان وأخــــــذان

           من جاد بالمال مال الـــناس قاطــبة****إليــــــه،والـــــمال للإنسان فتّــــــــــان

           من سالم الناس يسلم من غوائلهم****وعاش وهـــــو قرير العــــــــــين جدلان

          من كان للعقل سلطان علـــــيه غدا****ومـــا على نفــــــــسه للحــرص سلطان

          من مدّ طرفا بفرط الجهل نحو هوى****أغــــضى على الحـــقّ يوما وهو خزيان

         من استشار صروف الدّهــر قام له****على حقـــيقة طبــــــــع الدّهـــــــر برهان

        من يزرع الشّرّ يحــصد في عواقبه****ندامـــــــة،ولحـــــصـــــد الـــزّرع إبّـــــان

       من استنام إلى الأشــرار نام وفي****قمــــيـــــــــــــصه منـــــهم صــــلّ وثـــــعبان

      كن ريّق البــــشر إنّ الحرّ همّــــته****صـــــحيـــــــــفة وعلـــــيها البـــــشر عنوان

      ورافق الرّفق في كلّ الأمور  فلم****ينـــــــــــــدم رفيـــــق ولـــــم يذمـــــمه إنسان

      ولا يــــــغـــرّك حـــظ جرّه خرق****فالخــــرق هـــدم  ورفــــق المــرء بنــــــــــيان

       أحسن إذا كان إمكان ومـــقدرة****فلــــــن يدوم على الإحــــــــــسان إمــــــــكان

      فالـــــرّوض يزدان بالأنوار فاكهة****والحــــــرّ بالعـــــدل والإحــــــسان يـــــزدان

     صن حــــرّ وجهك لا تهتك غلالته****فـــــكلّ حــــــــــــرّ لـــــحرّ الوجـــــه صــــوّان

    دع التّكاسل في الخيرات تطلبها****فليــــــس يســـعد بالخــــيرات كــــــــــــــــــسلان

  لا ظلّ للمرء يعرى من نهى وتقى****وإن أظـــــلّـــــــــــــــــته أوراق وأفـــــــــنـــــــان

   والنّاس أعوان من والـــــته دولته****وهم علــــــيه إذا عــــــــــادتــــــــــه أعـــــوان

    سحبان من غير مال باقل حصر****وبــاقــــــــــــــل في ثــــــراء الــــــمال ســـــحبان

     لا تودع الـــسّرّ وشّــاء به مذلا****فما رعــــــــــى غنـــــما في الـــدّوّ سرحـــــــان

 لا تحسب النّاس كبعا واحدا فلهم****غرائز لــــــست تحصـــــيـــــــــــهنّ ألــــــــــــوان

   ما كلّ ماء مستساغ لــــــوارده****نعــــــم،ولا كــــلّ نــــبت فهـــــــو ســـــــــــــعدان

   لا تخدشنّ بمـــطل وجه عارفة****فالــــــبرّ يخـــــــــــــــدشــــــه مــــطل ولــــيّـــــان

  لا تستشر غــير ندب حازم يقظ****قد اســــتوى مــــــــــنه إخـــــفاء وإعــــــــــــلان

   فللتّدابير فرسان إذا ركـــــضوا****فيـــــها أبــــرّوا،كـــــما للــــحــرب فرســـــــان

   وللأمـــور مــواقيت مقـــــدّرة****وكــــلّ أمـــــر لــــــه حــــــــــــــدّ ومـــــــيــــزان

    فلا تكن عجلا في الأمر تطلبه****فليـــــس يحــــــمد قــــــــــبل النّـــضج بحتـــران

 كفى من العيش ما قد سدّ من عوز****فــــفيه للـــــحرّ  قــــــــــــــنيان وغــــــــنيان

  وذو القناعة راض عن معيشته****وصاحـــــب الحــــرص إن أثــــرى فغـــــــضبان

  إذا جـــفاك خليل كنـــت تألفه****فاطــــــــــــــلب ســــواه فكـــــلّ النّـــاس إخــــــوان

  حسب الفتى عقله خلاّ يعاشره****إذا تـــــحامـــاه إخــــــوان وخـــــــــــــــــــــــــلاّن

  هما رضـــيعا لبان حكمة وتقى****وساكـــــنا وطـــــــــــــــن مـــــال وطـــــــغيـــــان

   إذا نــــبا بكـــريم موطـــن فله****وراءه فــــي بـــــــسيــــــــــــط الأرض أوطـــــان

    ياظالما فرحا بالـــــعزّ ساعده****إن كــــــــــنت في سنــــة فالــــدّهر يقــظــــــــان

    ما استمرأ الظلم لو أنصفت آكله****وهـــــل يلــذّ مــذاق الــمـــــــرء خــطبــــــــان

    ياأيّها العالم المرضيّ سـيرته****أبــــشر وأنـــــت بغـــــــــير الـــــــــماء ريّـــــــان

    ويا أخا الجهل قد أصبحت في لجج****وأنــــت مــــــا بينــها لا شـــــــــــكّ ظــــمآن

    لا تـــحسبنّ سرورا دائما أبدا****من ســـــــــــرّه زمــــــن ســــــاءته أزمــــــــــان

    يا رافلا في الشّباب الغضّ منتشيا****من كأسه هــــل أصــــــاب الرّشــــد نشوان

     لا تغترر بشباب رائق خــضل****فكـــــم تقــــدّم قبــــــــــــــــل الشّـــــيب شبّــــــان

      ويا أخا الشّيب لو ناصحت نفسك لم****يكـــــن لمــــــثلك في الإسراف إمــــــعان

       هب الشبيبة تبلي عذر صاحبها****ما عــــذر أشـــــــــــيب يستهــــويه شيـــطان

       كــــلّ الدّنوب فإنّ الله يغــفرها****إن شـــــيّع المـــــرء إخـــــلاص  وإيــــــــمان

       وكلّ كـــــسر فإنّ الدّين يجبره****وما لكـــــسر قـــــــناة الدّيــــــــــن جبــــــــران

        خذها ســــــوائر أمثال مهذّبة****فـــــيها لمــــن يبـــتغي التّبـــــــــــيان تبـــــيان

        ما ضرّ حسّانها والطّبع صائغها****أن لم يصـــــــغها قـــــــــريع الدّهر حــــسّان


                                                                          محمد الدبلي الفاطمي

lundi 16 septembre 2013

الهدهد السليماني: الحــــــــــكـمة والبــــيا ن في ألفــا ظ اللّســا ن

حــــبـــيـــــبـــك مــــــن يـــغـــا ر إذا زللـــتــــا*****ويــــغـــلـــظ فــي الــكـــلام مــتــى أســــأ تــــا











  هذه نخبة من حكم العلاّمة أبي  عثمان بن لئون التّيحي يقول فيها:

               زاحم أولــــــي العــــلم حتّــــــى****تعدّ منـــــهــــــم حقـــــيقه

                ولا يـــــــردّك عــــــــــــــجـــــــز****عن أخــــذ أعلى طريقـــــه

                 فـــــــإنّ من جـــدّ يعــــــــــطى****في ما يحبّ لـــــــحوقـــــه
                                              **********************
                 ألدّرس رأس العلم فاحرص علـيه****فكلّ ذي علم فـــقير إليــــه

                 من ضيّع الدّرس يـــــرى هـــاذيا****عند اعتبار الناس ما في يديه

                 فعزّة  العالــــــم في حفــــــظه****كعزّ المنــــفق فــي ما عليه
                                          ************************
                 ثلاث مــــــهلكات لا مـــــــحاله****هوى نفس يقود إلى البطـاله

                وشــــــحّ لايزال يـــــطاع دأبـــا****وعجــــب ظاهـر في كل حاله
                                         ************************
        أخوك الذي يحميك في الغيب جاهدا****ويستر ما تأتي من السوء والقبح

        وينشر في النّاس ما يرضيك معــــلنا****ويغضي ولا يألو من البرّ والنّـصح
                                       *************************
         حبــــيبك من يغــــــار إذا زللـــــــت****ويغلـــظ في الكــلام متى أسأتا

      يسرّ إن اتّــــــصفت بكلّ فـــــــــضل****ويحزن إن نقصـــت أو انتـــــقصتا

        ومن لا يكثـــــــرت بك لا يبــــــالي****أحدت عـــن الصواب أم اعتــــدلتا
                                     *************************
       من عيني المــرء يبدو ما يكتّــــــمه****حتّــــى يكـون الذي يرعاه يفهمه

      ما يضمر المــــــرء يبدو من شمائله****لناظر فــــيه يهديه توسّـــــــــمه
                                   *************************
     خذ الأمــــــور برفق واتّــــــئد أبـــدا****إيّاك مـــن عــــجل يدعو إلى وصب

    ألرفق أحــــــسن ما تؤتى الأمور به****يصب ذو الرفق أو ينـجو من العطب
                                 **************************
  إنّ المسيئ إذا جازيـــــته أبــــــــــدا****بفعله زدته في غيّــــه شــــــططا

 ألعفو أحسن ما يجزى المــــسيئ به****يهينــــه أو يريـــــه أتّه ســــــــقطا
                               ***************************
 سريرة المــــــرء تـــــــبديها شمائله****حتّـــى يرى النّاس ما يخفــيه إعلانا

 فاجـــــعل سريرتك التّـقوى ترى أبدا****في كلّ أنت ما تبــــــغيه بــــرهـــانا

                               محمد الدبلي الفاطمي


                                     محمد الدبلي  الفاطمي

dimanche 15 septembre 2013

قــــــبـلـــــة الــــبــــيـــا ن ومـنـا سـك الـحـكـمـة والـعـرفا ن في مـــلــكــوت لـغـة الـفــرقـــا ن

 قبلة البيان ومناسك الحكمة والعرفان في ملكوت لغة الفرقان


الحمد لله ربّ السماوات والأرضين والخلق أجمعين،والصّلاة والسّلام  على المصطفى الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين،وعلى أهل بيته المطهّرين الميامين،ومن تبعهم بإحسان ألى يوم الدّين.
 أمّا بعد،فإنّ أهل زماننا هذا أصبحوا عن صراط الأدب مبتعدين،ومن لقبه متشائمين،ولعشّاقه كارهين.أمّا الطّالب منهم فرافض للتّعليم،والمتأدّب في ريعان الشّباب غافل أو متجاهل أن يصعد سلّم المحظوظين بدل التّقوقع في زريبة المحرومين.وفي هذا السياق أفلست سوق البرّ ،ورميت سلع أهله بالكساد،وصار الأدب خزيا على صاحبه،والفضل نقصا،وأموال المترفين وقفا على شهوات النفوس وملذّاتها،والجاه الذي هو زكاة الشّرف يباع بيع الأمتعة الباليةفي الأسواق.فنبذت الحسنات،وانتهك قدر المعروف،وهلكت الخواطر،وانبطحت همم الضّمائر،وأصبحت غايات كتّابنا مرهونة في مطابخ الأعيان بعد أن امتطوا مركب العجز وأعفوا أنفسهم من كدّ النّظر،وقلوبهم  وعقولهم من تعب التّأمّل والتّفكّر.فنالوا المراتب العالية بغير سبب،وبلغوا القمّة بغير آلة،ولم يعد لهم من الإنسانية إلاّ الجسم،ومن الكتابة إلاّ الاسم.قال الشاعر:
                          ليس كلّ من حمل اليراع بكاتب****لا،ولا كلّ ذوات المخلب السّبع

 وهذا الكلام ليس موجّها إلى  من لم  يقترب من اللغة إلاّ بالقلم والمحبرة،لكنّه موجّه إلى النّفوس الطّيّبة،والعقول النيّرة،والضمائر الحيّة.فأهل هذا الزّمان طلّقوا الحكمة،وفصل الخطاب،واستحسنوا الرذيلة عوض الفضيلة،فأسمعوا رفيع الناس قشور الكلام،واتّهموا لغة الفرقان بالعقم بعد عجزهم  عن معرفة الفعل والمصدر،والحال والتمييز،والظرف والبدل وشيئ من التّصاريف والأبنية والصفات ،وكيفية اشتقاق الصوّر التفصيلية من القواعد الإجمالية.فحال الكتابة يحتاج فيه صاحبه إلى التّحلّي بفصاحة اللّسان،والقدرة على المنافسة في العلم،والعدول بالكلام عن الجهة التي تلزمه مستثقل الإعراب،بغية تحقيق السّلامة من اللّحن وقباحة التعبير.وحال الكتابة يستدعي أيضا أن يكون صاحبه متمكّنا من تنزيل ألفاظه منزلة يليق بها المقام  وتستريح إليها العقول والأفهام.قال الوزير أبرويز لكاتبه في تنزيل الكلام: إنّما الكلام أربعة:سؤالك الشيئ،وسؤالك عن الشيئ،وأمرك بالشيئ،وخبرك عن الشيئ.فهذه دعائم  المقالات إن التمس إليها خامس لم يوجد،وإن نقص منها رابع لم تتمّ.فإذا طلبت فأرفق،وإذا سألت فأوضح،وإذا أمرت فأحكم،وإذا أخبرت فحقّق.واجمع الكثير ممّا تريد في القليل ممّا تقول.قال الشاعر:

                لسان الفتى نصف ونصف فؤاده****فلم يبق إلاّ صورة اللّحم والدّم

إنّ اللّغة عليها مدار أحكام الوحي المنزّل والسّنّة النبوية الشريفة،وبترقية وظائفها وتوسيع مجالها الإشعاعي ونشر لطائفها الأدبية تنهض الأمّة فتزداد رقيا وازدهارا وحضارة .ومع الأسف فقد أصبح اللّحن في الكلام محمودا،وصار التّواصل بالعربية بين النّاس محدودا،ومن  العيوب معدودا.قال الشاعر:

              وزن الكلام  إذا نطـــــقت ولا تكن****ثرثارة في كلّ ناد تخــــــــطب

              فلقد نصحتك إن قبلت نصيــحتي****فالنّصح أغلى ما يباع ويوهــب

ومن كلام أهل الحكمة:غفلة القلب عن الحقّ من أعظم العيوب،وأكبر الدنوب،ولو كانت حينا من الأحيان أو  لمحة من اللّمحات ،حتّى إنّ الذين يخشون ربّهم بالغيب عدّوا الغافل في وقت الغفلة من جملة الكفّار.وكما يعاقب العوامّ على سيّئاتهم كذلك يعاقب الخواصّ على غفلاتهم.وقالوا:لا تكن ممّن يرى القذى في عين أخيه،ولا يرى الجذع المعترض في حدق نفسه.قال الشاعر:
           
            إذا طالبتك النّفس يوما بشـــهوة****وكان إليها في الخلاف سبيل

            فخالف هواها ما استطعت فإنّما****هواها عدوّ والخـــلاف صديق

 أرجو  الله التيسير في وصول هذا الكنز النّفيس إلى أهله وذويه ،وآملي أن يقيني تبارك وتعالى العثرة،ويجنّبني الزّلل،ويسدّد بالصواب خطاي،ويؤيّدني برحمته وفضله وتوفيقه.إنّه نعم المولى ونعم النّصير.

                                                        محمد الدبلي  الفاطمي

samedi 14 septembre 2013

أيــّــــــــها الإنــــــــــــــــسا ن

                                                         أيّها الإنسان

أيّها الإنسان،علبك بتقوى الله وحده وخشيته ومراقبته عزّ وجلّ وتجنّب سخطه،وجفظ رعيّته في الليل والنّهار.والزم ما ألبسك من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسؤول عنه،والعمل في ذلك كلّه بما يعصمك الله عزّ وجلّ وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه.فإنّ الله سبحانه وتعالى قد أحسن إليك وأوجب عليك الرّأفة بمن استرعاك أمرهم  من عباده.وألزمك العدل عليهم والقيام بحقّه وحدوده فيهم،والذبّ عنهم والدّفاع عن حريمهم وبيوتهم،والحقن لدمائهم والأمن لسبيلهم،وإدخال الرّاحة عليهم.واعلم بأنّ ربّك سيحاسبك بمقتضى ما فرض عليك وسيوقفك عليه ويسائلك عنه ويثيبك عليه بما قدّمت وأخّرت.ففرّغ لذلك فهمك وعقلك ونظرك،فلا يشغلك عنه شاغل لأنّه رأس أمرك وملاك شأنك،وأوّل ما يوفّقك الله به لرشدك.وليكن أوّل ما تلزم به نفسك وتنسب إليه أفعالك المواظبة على ما فرض الله عليك من الصلوات،وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه.واستعصم بالفقه وأهله فإنّ أفضل ما تزيّن به المرء الفقه في الدّين والطّلب له والحثّ عليه.وانهل من المعرفة التي يتقرّب بها إلى الله عزّ وجلّ فإنّها الدليل على الخير كلّه والقائد إليه والآمر به والنّاهي عن المعاصي والموبقات كلّها.ومع توفيق الله يزداد العبد معرفة له ودركا للدّرجات العلى في المعاد،مع ما في ظهوره للنّاس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنسة بك والثّقة بعدلك.وعليك بالاقتصاد في الأمور كلّها،فليس شيئ أبين نفعا ولا أحضر أمنا ولا أجمع فضلا منه.فالقصد داعية الرّشد،والرّشد دليل على التوفيق،والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدّين والسّنن الهادية إلى الفردوس الأعلى.واعلم بأنّ القصد في شأن الدنيا يورّث العزّ ويحصّن من الذنوب،فإن اهتديت إلى الصراط المستقيم فستتمّ أمورك وتزداد مقدرتك وتصلح عامّتك وخاصّتك.ولا تتّهمنّ أحدا من النّاس فيما تولّيه من عملك قبل أن تكشف أمره فأنّ إيقاع التّهم بالظنون فيه مأثم.وتفرّد بتقويم نفسك تفرّد من يعلم  أنّه مسؤول عمّا صنع ومجزيّ بما أحسن ومأخوذ بما أساء.قال الشاعر سابق البربري في هذا السيّاق:

              نلــــهو ونأمـل أيّاما تعــــــدّ لـــنا****سريعة المرّ تطوينا ونــــطويها

              كـــم من عزيز سيلقى بعد عزّته****ذلاّ،وضـاحكة يوما ستــــبكيها

              وللحــــتوف تربّي كلّ مرضـــــعة****وللحساب برى الأرواح باريـــها

              لا تبرح النّفس تنعى وهي سالمة****حتّى يقوم بنادي القوم ناعيها

             أمــــوالنا لذوي الميــــراث نجمعها****ودورنا لخراب الدّهر نبـــــــنيها

 أيّها الإنسان،إذا عاهدت عهدا فف به وإذا وعدت خيرا فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها وأغمض عينيك عن عيوب الناس  وامنع لسانك عن قول الكذب فإنّه رأس المآثم ،والزّور والنّميمة خاتمتهما.وإيّاك والحدّة والطيش والغرور،وإيّاك أن تتسلّط على النّاس وتفعل ما تشاء فإنّ ذلك سريع إلى نقص الرأي وقلّة اليقين  بالله ومؤدّّ إلى ما لا تحمد عقباه.قال الشاعر الكبير ابن المعتزّ:

               يا نفس صبرا لعلّ الخيـر عقـــــباك****خانتك من بعد طول الأمن دنيـــاك

               مرّت بنا ســـــحرا طـير فقــلت لها****طــــوباك ياليتني إيّاك طــــوبــــاك 

               إن كان قصدك شرقا بالسلام على****شاطي الفرات ابلغي إن كان مثواك

               من موثــــق بالمنايا لا فكـــــاك له****يبكـــي الدماء على إلــــف له باكي

               أظنّـــــه آخر الأيّام من عـــــــمري****وأوشك اليــــوم أن يبـــكي له باكي


                                                                     محمد  الدبلي الفاطمي

vendredi 13 septembre 2013

مـــــلـك تـــديـــن لــه الــمـــلــوك ويـــلـــتجـــي****يـــوم الـــقــــيـــا مـــة فــــقــــرهــــم بــــغـــــنــــا ه

                                                        قل لمن يفهم عنّي ما أقول

 يحكى أن أحد أمراء المومنين في الدولة الاسلامية كان مولعا بحضور مجالس العلم  التي كان يجلب إليها كبار الفقهاء والحكماء وذوي الألباب.ومن بين أولئك الإمام أبو حامد الغزالي والعلاّمة الزمخشري وآخرون من نفس الطينة.وحصل ذات يوم أن فتح باب النقاش حول قوله تعالى في كتابه العزيز :الرحمان على العرش استوى.وكان السؤال موجّها إلى الإمام الغزالي من قبل العلاّمة الزمخشري بغرض إحراجه،إلاّ أنّ حجّة الإسلام  لم يحرج كما توقّع جلّ الحاضرين،بل استجمع أنفاسه وأعرب قائلا:

              قل لمن يفهم عـــــــــنّي ما أقول****أترك البـحث فـــذا شــرح يطول

             ثمّ سرّ غامـــــض من دونــــــــــه****ضربت بالسّيــف أعـناق الفحول

             أنت لا تــــــدري إيّـــــــــــاك ولـــم****تدر من أنـت ولا كـيف الأصـــول

            لا ولا تـدري صـــــفات ركّــــــــــبت****فيك حارت في خفاياها العـقول

           أين منك الروح في جوهـــــــــرها؟****هل تراها أو ترى كيف تجــــول؟

           أنت أكــــــــل الخــــبز لا تعـــــــرفه****كيف يجري فيك أم كيف يـــؤول

          فـــإذا كانت طــــوايـــــــــــاك التـي****بين جنــــــــبيك بها أنت جــهول

          كيف تدري من على العرش استوى****لا تقل كيف استوى كيف الوصول

         فهـــــو لا كــــيف ولا أيـــــــــــن له****هو ربّ الكـــــــيـــف والكيف يحول

         وهو فــــوق الفــــوق لا فــــوق له****وهو فـــي كلّ النـــــواحي لا يزول

         جلّ ذاتا وصــــفات وعــــــــــــــــلا****وتعالـــــى ربّنا عـــــمّا نقـــــــــول


 ومن أروع ما جاء في ابتهالات البرعي لله جلّت عظمته بالتوحيد والإجلال،وتقدّست سبحات جماله عن سمة الحدوث والزّوال،وتنزّهت سرادقات جلاله عن وصمة التّغيّر والانتقال.تلألأت على صفحات الموجودات أنوار جبروته وسلطانه،وتهلّلت على وجنات الكائنات آثار ملكوته وإحسانه،وتحيّرت العقول والأفهام في كبرياء ذاته،وتولّهت الأذهان والأوهام في بيداء عظمة صفاته.سبحانه سبجانه لا علم لنا إلاّ ما علّمنا .إنّه هو العليم الخبير.يقول البرعي في هذه القصيدة الرائعة:

         قــــــف بالخشوع وناد يا ربّــــــــاه****إنّ السّــــــــــــميع يجيب من ناداه

         واطلب بطاعـــــــته رضاه فلم يزل****بالجود يرضي الطّالبين رضــــــــــاه

          واســــأله مسألة وفــــضلا إنّـــه****مبســـــوطتان لسائليه يـــــــــــداه

         واقـــــصده منقطعا إليه فكلّ من****يرجـــــوه منقــــطعا إلــــــــــيه كفاه

         شملت لـــــطائفه الــخلائق كلّها****مـــــــا للـــــخــــــلائــق رازق إلاّ هو

         فـــــعزيزها،وذليلها،وغنيّـــــــــها****وفقــــيرها لا يــــرتجــــــــــون سواه

         ملك تدين له الملــــــوك ويلتجي****يوم القـــــيامة فــــــــــــــقرهم بغناه

         هــــو أوّل،هـــوآخر،هـــــو ظاهر****هـــــو باطن ليــــس العــــــيـــون تراه

         حجــــــــبته أسرار الجلال فدونه****تقــــــف الظنــــون وتخرس الأفـــــواه

         صــــمد بلا كــــفء ولا كيفـــــيّة****أبـــــدا فما النظـــــــراء والأشــــــــباه

          شهـــدت روائع صنــعه بوجوده****لـــولاه ما شــــهدت بـــــــــــه لــــولاه

         وإليــــه أذعنت العـــقول فآمنت****بالغيـــــب تـــــؤثــــر حبّـــــــها إيّـــــــاه

         سبحان من عنت الوجوه لوجهه****وله ســــــجود أوجــــــه وجـــــــــــــباه

         طـــوعا وكـــرها خاشعين لعزّه****وله عليـــــــها الطّــــــوع والإكـــــــــــراه

          ما كان يعــــــــبد من إلاه غيره****والكـــــلّ تحت القـــــــــهر وهـــــــــو إلاه

           سل عنه أفلاك الــوجود فإنّها****تدعــــــــوه مـــــــعبودا لـــــــــــها ربّــــاه

         أبدى بمحكم صنعه من نطــفة****بــــشرا ســــــويّا جــــلّ من ســــــــــوّاه

         تجري الرياح على اختلاف هبوبها****عــــــن إذنـــه والفــــلــــك والأمــــــواه

         ربّ رحيم مشـــفق متعـــــطّف****لا ينتــــــهي بالحــــــــصر ما أعــــــــطاه

         ولحلمه سبــــحانه يعصى ولم****يعجل على عــــــــبد عصــــــــــــــا مولاه

         يأتيه معــــــــــتذرا فيقبل عذره****كــــــرما ويغــــــــفر عـــــــــــمده وخطاه

 العظمة لك ياربّي والكبرياء لجلالك با قائم الذّات،ومفيض الخيرات،وواجب الوجود وواهب العقول وفاطر الأرض والسّماوات،ومبدئ الحركة والزّمان،ومبدع الحين والمكان،وفاعل الأرواح والأشباح،وجاعل النور ةالظلمات،ومحرّك الأفلاك المدبّرات،دام حمدك وجلّ ثناؤك وتعالى ذكرك،وتقدّست أسماؤك،لا إله إلاّ أنت وسعت رحمتك كلّ شيئ،وكثرت آلاؤك ونعماؤك،ياأرحم الرّاحمين ويا ربّ العالمين.

                                                                     محمد الدبلي الفاطمي